ابن الجوزي
94
صفة الصفوة
عليه السوط قال : إنه يقوى قال : أخاف عليه السيف . قال إنه يقوى ، قال : أخاف عليه الداء الدفين العجب . عن أبي نعيم قال : رأيت داود الطائي تدور في وجهه نملة عرضا وطولا لا يفطن بها . يعني من الهمّ . أبو سعيد قال : حدثني سهل بن بكار قال : قالت أخت لداود الطائي : لو تنحّيت من الشمس إلى الظل . فقال : هذه خطى لا أدري كيف تكتب . عباس التّرقفي « 1 » قال : سمعت معاوية بن عمرو يقول : كنا عند داود الطائي يوما ، فدخلت الشمس من الكوّة فقال له بعض من حضر : لو أذنت لي سددت هذه الكوّة . فقال : كانوا يكرهون فضول النظر . وكنا عنده يوما آخر فإذا بفروه قد تخرق وخرج خمله . فقال له بعض من حضر : لو أذنت لي خيّطته فقال : كانوا يكرهون فضول الكلام . أبو داود الطيالسي قال : حضرت داود عند الموت فما رأيت أشدّ نزعا منه ، أتيناه من العشيّ ونحن نسمع نزعه قبل أن ندخل ، ثم غدونا إليه وهو في النزع فلم نبرح حتى مات . حفص بن عمر الجعفي قال : اشتكى داود الطائي أياما وكان سبب علته أنه مرّ بآية فيها ذكر النار فكررها مرارا في ليلته فأصبح مريضا . فوجده قد مات ورأسه على لبنة . قال ابن السماك ، حين مات داود الطائي : يا أيها الناس إن أهل الدنيا تعجّلوا غموم القلب وهموم النفس وتعب الأبدان مع شدّة الحساب ، فالرغبة متعبة لأهلها في الدنيا والآخرة ، والزهادة راحة لأهلها في الدنيا والآخرة ، وإن داود الطائي نظر بقلبه إلى ما بين يديه فأغشى بصر قلبه بصر العيون فكأنه لم يبصر ما إليه تنظرون ، وكأنكم لا تبصرون ما إليه ينظر . فإنكم منه تعجبون وهو منكم يتعجب ، فلما نظر إليكم راغبين مغرورين قد ذهبت على الدنيا عقولكم وماتت من حبها قلوبكم وعشقتها أنفسكم وامتدّت إليها أبصاركم استوحش الزاهد منكم لأنه كان حيا وسط
--> ( 1 ) هو عباس بن عبد اللّه الواسطي الترقفي .